نصدق الناجيات: طيب لو البوست نزل بيتهمكم إنتو؟
اشتباك من سدوم
مدخل
في مقابلة توثيقية أجريناها مؤخرا، قال أحد المشاركين إن الجملة التي صار لا يطيق سماعها هي «صدّقوا الناجيات». قالها رجل لا ثنائي من مجتمعنا، كان يستضيف التجمعات في بيته ويكتب بين قواعدها: لا للتنمّر ولا للتحرش. ثم اتّهم بالتحرش على مجموعة إلكترونية يعرفه أغلب من فيها، من شخصين بينه وبينهما خلاف سابق معروف، أحدهما صديق قديم. وهو يقول بوضوح إنه لم يفعل.
لا نعرف ما حدث في تلك الليلة، ولن نحاول أن نعرفه هنا. نعرف أن خلافا سبق الاتهام، وأنه هو نفسه اعترف في المقابلة بأنه وصف الطرف الآخر بلفظ مهين في رسالة صوتية وصلت إليهم. ونعرف أيضا أن ما تلا الاتهام كان منشورات يومية، وكشفا لعنوان سكنه، وكشفا للاسم الحقيقي لصديق دافع عنه، وأشخاصا حذفوه من قوائمهم دون أن يسألوه شيئا. وحين طلب علنا أن تحقق أي جهة في الأمر، لم تتقدم جهة.
نكتب هذه المسودة لأن السؤال الذي تطرحه تجربته يتكرر في دوائرنا، بصيغ مختلفة: ماذا أفعل لو قالت ناجية، أو ناج، إنني فعلت شيئا أرى أنني لم أفعله؟ والسؤال يستحق جوابا لا يهدم ما بنيناه، ولا يترك الشخص المتهم معلقا في الفراغ.
لماذا نصدّق
شعار تصديق الناجيات والناجين لم يولد من فراغ. ولد من تاريخ طويل كذّبت فيه النساء، ومعهن كل من يقع عليه عنف جنسي، وطلب منهن أن يثبتن ما لا يمكن إثباته، وأن يقفن أمام مؤسسات وعائلات ومجتمعات تفترض فيهن الكذب أو المبالغة أو طلب الانتقام. وكانت النتيجة المعروفة: صمت، وإفلات من العقاب، وتكرار. والدراسات المتاحة تقول إن البلاغات الكاذبة عن العنف الجنسي نادرة، وإن الأغلبية الساحقة من الانتهاكات لا يبلّغ عنها أصلا.
لهذا نقول، ونحن ندرك ثقل الكلمة، إن التصديق غير المشروط موقف سياسي. هو قرار بأن نقلب عبء الإثبات الذي ظل على كتف الأضعف طويلا، وبأن نبدأ من الاعتراف بالألم قبل أي سؤال. وهذا الموقف يجب أن يحترمه كل شخص، بلا استثناء، إلى أن نطوّر معا بديلا متفقا عليه أكثر فاعلية. لا يملك أي منا، مهما كانت تجربته مؤلمة، أن يسقطه وحده لأنه وقع في طريقه.
الانزلاق
لكن في الطريق من الشعار إلى الممارسة حدث انزلاق نحتاج أن نسمّيه. «صدّقوا» كانت تعني في الأصل: خذوا الكلام بجدية، احموا من تكلّم، لا تطلبوا منه دليلا ليستحق الدعم، افتحوا مسارا. ومع الوقت صارت تقرأ عند كثيرين بمعنى آخر: الحكم صدر، والعقوبة هي الإقصاء، والنقاش انتهى.
في الحالة التي بدأنا بها، لم يفتح أي مسار. لا لجنة، ولا وساطة، ولا جلسة سماع لأي من الطرفين. صار التصديق هنا بديلا عن العمل، في حين كان المقصود منه أن يكون أوله. والشخص الذي اتّهم لم يطلب منه شيء محدد، فلم يجد أمامه ما يفعله سوى أن يسكت ويتفرج، ثم ينسحب من الناس كلهم. وهذا ما فعله.
المفارقة أن الانزلاق نفسه يضر الناجيات والناجين أيضا. فحين يصبح الشعار حكما جاهزا، يسهل على من يريد تفريغه من معناه أن يقول إنه أداة للانتقام، وأن يستشهد بحالة واحدة ملتبسة ليشكك في مئات الحالات الواضحة.
المرأة الغائبة
في التعليقات على المجموعة، كتب بعض الناشطين أن المدافعين عنه يدافعون «لأنه لا توجد امرأة في القصة»، وقرأوا الطرفين بوصفهما «ولدين». هذه الجملة تستحق التوقف. فهي تنقل إلى مجتمع الأقليات الجنسية والجندرية قالبا صمم لعلاقة محددة: رجل معتد وامرأة ضحية. وحين لا يجد القالب امرأة، يرتبك، فإما أن يستخف بالحكاية كلها، وإما أن يستعيرها كاملة بأدوارها دون أن يسأل عمّن يقف في كل موقع.
مركزية النساء في النضال ضد العنف الجنسي مكسب حقيقي، ولا نكتب هذه الورقة لننتقص منه. ما نريده هو أن نطوّر الأداة النسوية الكويرية حتى تعمل في سياقنا. في دوائرنا قد يكون الطرفان كلاهما مثليين أو لا ثنائيين أو عابرين، وكلاهما مجرّم، وكلاهما معرّض للفضح والاعتقال، وكلاهما قد يكون ناجيا من عنف سابق. ونحتاج أداة تعرف كيف تسأل عن السلطة في كل علاقة بعينها: من الأكبر سنا، من يملك البيت، من يملك الشبكة، من يملك المنبر، من يستطيع أن يكشف الآخر. هذه الأسئلة نسوية في جوهرها، ونحن نستعيرها من النسويات أنفسهن.
الدولة خارج المعادلة
حين نتحدث عن «جناية» في هذه الورقة، نقصد الأذى الذي يقع بين شخص وآخر، بالمعنى الأخلاقي والمجتمعي، بعيدا عن منطق الدولة الجنائي. فالدولة في بلادنا لن تنصف أيا منا. لو ذهب أي طرف إلى الشرطة، فستزج بنا جميعا في السجن، الشاكي والمشكو والشهود، ثم تسألنا ساخرة: ما الذي أنتم عليه أصلا؟ وتريدون عدالة بينكم أيضا يا شواذ؟
هذا يعني أن مسؤولية العدالة تقع علينا نحن، على المجتمع ومنظماته ومبادراته. وهي مسؤولية ثقيلة، لأننا نحملها دون أدوات الدولة ودون حمايتها، وفي أحيان كثيرة دون تمويل ودون خبرة متراكمة. لكن غيابها أثقل: فحين لا نقدّم مسارا، يصبح الفيسبوك هو المحكمة، ويصبح عدد المنشورات هو الدليل.
ماذا أفعل إذن
إلى من يجد نفسه في هذا الموقف، ويرى أنه لم يفعل ما ينسب إليه، نقترح ما يلي، ونعرف أنه صعب:
أولا: احترم الزعم واقبله بوصفه زعما يستحق أن يؤخذ بجدية. يمكنك أن تحتفظ بروايتك كاملة، وأن تعترف في الوقت نفسه بحق الآخر في أن يتكلم، فلا تبدأ بتكذيبه علنا.
ثانيا: لا تهاجم مضادا. لا تحشد أصدقاءك، ولا تنبش في ماضي من اتهمك، ولا تنشر ما تعرفه عنه. حتى لو فعل هو ذلك بك. كل ما يكشف في هذه اللحظات يكشف لمجتمع كله معرّض للخطر.
ثالثا: إن طلب منك أن تبتعد عن مساحات بعينها مؤقتا، فابتعد. الابتعاد المؤقت يحمي المساحة ويحميك من التصعيد، ولا يحتسب عليك اعترافا.
رابعا: بعد ذلك، اطلب. اطلب لجنة تحقيق أو مسار مساءلة مجتمعية. اطلب الحديث. اطلب، في المساحة نفسها التي أدنت فيها، أن تقدّم شرحا، وأن يدور حوار أوسع. وما فعله صاحب الحالة التي بدأنا بها حين طلب علنا أن تحقق أي جهة كان هو الخطوة الصحيحة. ما نقص يومها كان جهة تستقبل الطلب.
خامسا: تذكّر أن الإدانة الأولى ليست حكما نهائيا بالإقصاء. هي بداية مسار، أو هكذا يجب أن تكون.
وإلى المنظمات والمبادرات: هذه الخطوات لا معنى لها إن لم تكن هناك جهة تستقبلها. نحتاج آليات معلنة، يعرفها الجميع قبل أن تقع الحادثة، تحدد من يستقبل البلاغ، وكيف يسمع الطرفان، وما الإجراءات المؤقتة، وما الذي يحدث بعدها. ونحتاج أن نقبل أن بعض هذه المسارات لن ينتهي بيقين، وأن نعرف كيف نعيش مع ذلك دون أن نحكم على أحد بالنفي.
الإقصاء ليس الحل
في تقدير شريحة كبيرة منا، الإقصاء ليس الحل. مجتمعنا صغير، ومجرّم، ومحاصر، ومساحاته الآمنة معدودة. حين نطرد شخصا منها، فنحن نرسله إلى وحدة داخل مجتمع معاد. وصاحب الحالة التي بدأنا بها قال إنه قطع علاقاته كلها، وصار لا يقابل أحدا، ويخاف من أي علاقة جديدة، ويريد أن يهرب من البلد. هذا ما يحدث لإنسان حين يترك وحده، سواء أكان قد أخطأ أم لا.
والإقصاء لا يحمي الناجيات والناجين بالضرورة أيضا. هو يخرج الشخص من أنظارنا، ولا يغير شيئا في سلوكه إن كان مؤذيا، ولا يمنحه فرصة ليفهم أو يصلح. وقد كتبت نسويات وكويريات كثيرات عن هذا من قبل، منهن سارة شولمان في «الخلاف ليس إساءة»، وأدريان ماري براون في «لن نلغي أنفسنا»، وكلتاهما تسأل كيف نحاسب دون أن نعيد إنتاج منطق السجن داخل مجتمعاتنا.
خاتمة مفتوحة
نريد أن نصل إلى صيغة يستطيع فيها الشخص المتهم أن يقول: أحترم ما قيل، وأقبل أن يؤخذ بجدية، وأطلب أن أسمع. وتستطيع فيها الناجية أو الناجي أن يتكلم دون أن يطلب منه دليل ليصدّق، ودون أن يحمّل عبء المسار كله. وأن يكون بينهما مجتمع يعرف ما يفعل.
الحوار معك، بعد تثبيت حقوق الإنسان التي أقرّت في القرن الماضي على الأقل، أقيم من إلغائك: الكرامة، والحق في أن تسمع، وألا يعاقب أحد دون مسار، وألا يكشف أحد أمام من يمكن أن يؤذيه. هي أرضية نقف عليها جميعا، المتهم والناجية معا، كي يبقى لنا مجتمع نعود إليه.