مايكل يكتب: العزل وقلوبنا والبحث عن هدنة


(١)

البحث عن هدنة

في شهر مارس -الشهر الثالث في السنة العشرين بعد الألفين من ميلاد يسوع- اشتدت الجائحة في مصر. صار القلق يساورنا بخصوص إصابة أبي وأمي بالمرض. وقررت أن أبدأ أولى أيام هذا الحجر بزجاجة نبيذ أحمر. أحضرت النبيذ وبعض الأعشاب لمساعدتي على النوم وقالب شوكول.

أولى هذه الأيام لم يكن مزعجاً جدًا، كنت أقضي معظم الوقت أشاهد مسلسل أو أمارس الرياضة بالبيت أو أقرأ، كنت حزين فقط من أجل كلبي.. كان محبوساً معي، أبي كان يخشى كونه سيحمل المرض للبيت عند عودتنا من التنزه، لكني استطعت إقناعه فيما بعد إنه ليس بالشيء الخطير.

ليو تولستوي يشبهني كثيرًا كما نقول عنها بالعامية "فرهود ويحب الفرهدة". نحن الاثنان نحب الحركة. منذ أن كان صغيرًا عندما كان يصطدم بكرسي أو السفرة وهو يلعب كنت أواسيه وأخبره أن عمر الشقي بقي، فيكمل لعبه بنفس الحماس. وهو لا يرغب بالتأكيد في المكوث بالمنزل كل هذه المدة

منذ أن بدأ هذا الوقت، أدركت أنه سيكون لدي الكثير من الوقت للتفكير، سواء تفكير مهم أو غير مهم. ولم أعرف هل سيكون لدي القدرة للتحكم فيه أم لا؛ فالتفكير المبالغ فيه هو أصلًا سمة أعاني منها منذ حداثتي.
Salvador Dali Clocks.jpg

ببعض الأحيان أنظرُ إلى كوكبي اللطيف متسائلاً عن أسباب دوران عقارب الساعة هكذا بشكل دائريّ، وليس على شكل مثلث، أو أن يكون شكل الساعة مختلف تمامًا، أو أننا نطلق عليها بالأحرف لا بالأرقام كأن نقول: الساعة الآن حاء

 

أعرف أن التفكير يجب أن ندّخره للمواقف العصيبة والمنطقية، لكني أظن أن العالم ينقُصه جنون، وبعض من التفكير اللامنطقي. كأن الحيطان تبدأ بالانكماش للداخل، حتى يتراءى لي بعد ثوانٍ أنني سأنكمش حول نفسي مثلها. ولكن المُدهش بالأمر أنها تنكمش إلى أن تصل المسافة بيننا مترًا. مترًا واحدًا فحسب.. ومن ثم يبدأ الفراش بالخروج من زوايا صغيرة مجهولة، و يصطف الكبير خلف الصغير، وربما يُجدر بي القول أن ألوان الفراش مختلفة إلا أنني لا أستطيع التمييز بينها لشدة هول المنظر! أشعر في كل مرة أن هُناك فراش ما سيلتهمني بعد قليل، وكأنني وجبته المفضلة

ما الحل؟

أغلق عيناي و أرتجِف، ومن ثم أغفو ؟ لأستيقظ باكرًا ؟

حسنًا فعلتها، ولم أجد سوى حيطان زرقاء مرسوم عليها فراش كبير و بجانبه عبارة بخط عريض "خطر"..وبالنهاية لا أحد منكم يكترث.

التفكير يلتهمني هكذا.. هل ترونه مزعج؟ أنا أرى أن هذا الشيء بالتحديد هو الممتع في التفكير المبالغ فيه.. يمكنك تخيل أشياء وخلق صور. فأنا مثلًا أعاني من أرق منذ عدة أشهر.. أشرب أعشاب كالكاموميل وعشبة القديس يوحنا ولا تفعل شيء. الأرق كان السبب في أن أفكر في الفراش الكبير والصغير بهذا الشكل.

الأحلام المزعجة هي ثاني شيء يتبع التفكير المبالغ فيه.. تراني أقول ما هذا النحس! أرق، وعندما أنام يأتيني كابوس

كان لي نصيب من بعض المشاعر اللطيفة في الأيام الأخيرة. وبالرغم من ذلك، ليلة أمس اضطجعت ونمت صافي البال تقريباً، غير أني استيقظت عدة مرات علي حلم مزعج وقاسي لا أتذكره بأكمله ولكن ما ازعجني بشدة فيه هو أنه كان أحد تلك المرات عندما كنت طفلًا وسيمًا تتم القسوة عليه من أحد الأغبياء من معلمين المدرسة. وعندما فتحت عيني في الصباح الباكر تأملته بدهشة! الإساءة لطفل شيء قاسي، سيء.

أنا لست ضعيفا لهذا الحد! و للحظة أسودت الدنيا في عيني، وخيل إلي إنها تتمخض عن عالم من الشياطين الراقصة في تيار من لهيب. كان عندي من الغضب ما يجعلني استطيع أن أكسر ذلك النيش الكبير و لكني لن أفعل. أنا دائما طيب القلب

Lg075.jpg

وعلى سيرة الغضب تذكرت حلم كان يراودني في طفولتي. كنت راكب على فرس أبيض وبيدي سيف، أطوف في فناء المدرسة وأقتل كل من أجده من الطلبة والمعلمين.

تذكرت كلام أمي عندما كنت استيقظ وأنا صغير أبكي بسبب أحد الأحلام المرعبة التي تراود الأطفال عندما يسمعون شيئاً من تلك القصص المخيفة. "يا عزيزي أطمئن فهذا مجرد حلم وها هو انتهي، أشكر الله أنه غير حقيقي وعاود نومك في سلام"

دفعني ذلك أن أتذكر أيام المراهقة و السنين الأخيرة من حياتي.. كانت مؤلمة بحق وبها الكثير من الخزي والوحدة. وقد خيل لي إنه لم يكن هناك ما يستحق كل ذلك العناء والألم.

اضطرب ذهني و شعرت بقلق طاغٍ لم أدركه! بدا لي الأمر و كأنه يستدعي الطمأنينة التامة كما كانت تقول أمي دائماً "كالمرأة التي انتهت أخيرًا من ألآم الحمل و الولادة و الطفل بصحة جيدة" فلماذا هذه الدراما!؟

كل شيء قد مَر وانتهى وقد خرجنا جميعا بأقل الخسائر وحتي ما خسرناه فعوضه الله لنا وكأنها خيرات من السماء. وعندما تتذكر كل هذه الأمور السيئة لا تشعر بذلك في كل مرة. يا له من حلم بغيض!

غداً سأحلم حلم يهيج بقلبي وجسدي انفعالات لطيفة، لا تقلق يا عزيزي ستعوض نفسك ككل مرة

مرت الأيام وأنا ابحث عن هدنة. الاحتياج للصفاء والهدوء أمر أساسي لدى كل البشر. أنا دائمًا أبحث عن شيء ما بداخلي ، يمكن أن نسميه هوشع الصغير. من وقت لآخر أضع يدي داخل أعماق أعماقي وأحركها ذهابًا وإيابًا حتى أجده. أضع يدي عليه وأخبره إني هنا.. أحبك ودائمًا أتذكرك.

هوشع الكبير القوي هذا لم يأتي استيراد من المملكة المتحدة، بل تعامل مع نفسه وروحه وأخطاءه وماضيه -كما سميته أنا هوشع الصغير- من أجل أن يكبر ويصبح أكثر قوة.

في الحجر كان لدي فرصة ذهبية -رغم إنها كانت مرهقة- أن أعاود الكلام مع هوشع الصغير.أن أخبره مثلًا إنها ليس غلطتك إن تركك أحدهم دون سبب. وإن حدث فجأة أنه لم يعد يرغب في شرب القهوة معك، أو الرد على رسائلك أو سماع ثرثرتك. إنها ليست غلطتك. ولا يجب عليك أن تظن إنك سيء. أو إنك غير جدير بالحب أو الأصدقاء.
هوشع الصغير دائمًا هناك، لا أستطيع تجاهله أبدًا وإن حدث وتجاهلته، يا ويلي! يبكي ويصرخ، يجري من أسفل المعدة حتى منتصف الرئتين يخبط بقوة، وصدقوني هو يستطيع أن يكسر أحد تلك ضلوع هذا القفص الكبير.

التعامل مع هوشع الصغير لم يكن سهلًا تمامًا، كالتعامل مع أي طفل من نوع خاص. لكنه دائمًا يجب علينا فعل ذلك. منذ نضوجي الأول وأنا أتعلم أن أتعامل مع مشاكلي وآلامي مهما كان هذا صعبًا. وأنا أقصد هنا المشاكل الدفينة الخاصة بي أنا وهوشع الصغير، وليس الخلاف الذي صار مع أبي أو صديق الأسبوع الماضي. دفن المشاكل كان الشيء الأكثر ألمًا من حلها.. لكن فقط الكثير منا لا يدرك ذلك لأن ألمه لا يظهر سوى بعد بضع شهور أو حتى أعوام. فحلم الفرس الأبيض وفناء المدرسة مثلًا ظل في رأسي من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة. فقط أصبح لا يراودني في منامي عندما استطعت أن أغفر لمن سببوا لي إساءات في المدرسة وطفولتي. وأن أفهم أن هذا ليس ذنبي مطلقًا. وأن أعرف كم هم بؤساء، وضحايا إساءات أخرى قتلتهم، فأصبحوا مروجين لها.

في أوقات من حياتي كنت أفكر أن الهدنة خدعة وأن الخلاص شيء بعيد جدًا. كان الوقوع  المستمر بفوهة بركان – كبركان عدم الجدارة بالحصول على الحب أو الأصدقاء-  يجعلك ترى كل شيء وكأنه مستحيل! فلا أحد يظن في هذا الموقف أن تأتي حمامة الروح القدس فجأة، فتمسكه وترفعه كي لا تعثر في حجر رجله، أو تأكله نار البركان.

وقت الظلام لا نرى سوى الظلام. وهذا يدفعنا للخوف وارتكاب الحماقات التي قد تدفعنا للمزيد من المشاكل وارتكاب حماقات أخرى. وأنا أرى هذا طبيعي في وقت من الأوقات. اليأس شعور إنساني يجب بجميعنا المرور به كي نتعلم منه.

أنا أعلم فقط الآن بسبب كل ما مررت به أن هذا ممكن حدوثه. اكتشفت بمحض الصدفة -أو الترتيب اﻹلهي- أنني أقوى مما ظننت. وأن الخلاص حقيقي حتى وإن عثرت برجلي عشرات الأحجار أستطيع أن أمر بكل ذلك ولدي سمانة أقوى من ذي قبل. وهنا تكون الهدنة.

 

(٢)

كيف تقتل دبًا في خمس دقائق فقط؟

bear.jpg

الدّببة في كل مكان فكم دبّاً ستقتل بمسدّسك؟!

هناك دبٌّ داخل المزهرية وعليك أن تقتله دون أن تكسر المزهريّة ما أقصده ليس النّدم، أنا أتحدث عن أمور شخصيّة لها علاقة بكميّة الأسرار والمشاعر التي تحتفظ بها المزهريّة، والتي ما إن تنكسر تتحوّل إلى أشياء صغيرة تتناثر في المكان، أشياء صغيرة تلمع بالغة في الدّقة والوخز كذلك، وستشعر بالخوف كلّما نظرت إلى مكان المزهريّة الفارغ.

الدّببة تعرف ما تريدُه منّا جيداً، لذا هي تختار أماكن اختبائها بعناية وإلى أن تتمكن من فعل هذا عليك أن تنام في غرفة وتضع المزهريّة في غرفةٍ أخرى، فالدّببة كائنات مزاجيّة للغاية..

لكنّك لا تملك سوى غرفة واحدة، ومطبخك مليء بالآلات الحادة، ثمّ أنّ في الخارج دببة لا تقلّ خطورة عن الداخل..

كل هذه مجرّد سخافات تجهد نفسك بالتّفكير بها كلّما دعوت رجل للعشاء، ولم يكن عليك سوى أن تحضر بضع شمعات وقالب شوكول، حتّى الدّبّ الذي تعتقد أنّه يعيش في خزانة ملابسك ليس حيواناً على الإطلاق، مزاح ثقيل تركه لك أحد الأصدقاء حين امتلأ صدره بالغابة، فالدّببة الحقيقيّة لا تقتل سوى مرة واحدة ثمّ أنّها مع مرور الحزن تألف المكان وربّما أصبحت معطفاً يغري رجل للعودة إلى سريرك مرة أخري .

ولأنّك لا تعرف متى يستيقظ الدّبّ الذي في رأسك. لا تعرف متى ترغب المزهريّة بالقفز من مكانٍ عالٍ.

اترك نصف النّافذة موارباً لأيّ احتمال، نصف النافذة يكفي ليخلصك من دب كامل التعب يشعر بالوحدة ويرغب بالصّراخ.

لا أحد يعرف من أين تجيء الدّببة بالتّحديد. جاري مثلاً لا يعلم أنّه في آخر الليل يجيء إلى غرفتي على هيئة دب؛ بينما عليّ أن أكون دبّاً في مكانٍ ما..

وفي الصّباح نحدق في وجوه بعضنا مندهشين ممّا تفعله بنا شفرات الحلاقة، لكنّنا نكون قد نسينا تماماً ما أتلفناه بمخالبنا وما فعلته طلقاتنا المصوّبة بعناية إلى قلوب الآخرين في الليلة السّابقة.

عندما يتعلّق الأمر بوجودٍ دب في الخزانة لا شيء يبدو صحيحاً تماماً، أنت مثلاً كنت ستقرأ هذا الكلام بسعادة حتّى وإن كان “كيف تقتل ذبابة في خمسة أعوام” لأنّه لا تهمّك الحقيقة أو الوقت وإن كان دباً أم حلزوناً..!

في النّهاية كلّ ما يهمّك هو أن تقتل، وسيكون من دواعي سرورك لو في خمس دقائق فقط.

وجدت هذا المقال في هامش كنت أضع فيه أشياء شعرت بها وكتبتها. والغريب جدًا إني لا أتذكر هل أنا فعلًا من كتبت هذا المقال أم إنه فقط أثار إعجابي وأردتُ الاحتفاظ به! هذا غير مهم. المهم هو كم هو حقيقي! لمن يفهمه بالطبع.

في الحجر الصحي أصبحت طرق التواصل الاجتماعي بين البشر، ولا سيما الأصدقاء المقربين، عن طريق المراسلة في الأغلب[١]. في السابق كنا نستطيع أن نقابل أصدقائنا بكل شوق وشغف، في كل مرة نأكل ونشرب سواء القهوة أو الويسكي، نمارس الجنس بلوعة، نضحك ونكون سعداء. دونما أن نرى أي شيء من الخلاف.
وهو ما حدث عكسه تمامًا بالطبع في زمن الكورونا.

في زمن الكورونا لا نقابل بعضنا البعض، نتقابل فقط من خلال التراسل الإلكتروني. بعض هؤلاء الأصدقاء ليسوا حقيقيين بما فيه الكفاية.

 بعض البذور ضعيفة. تنبت الزرعة ولكن عندما تأتي الشمس القاسية تحرقها وتقتلها فلا تأتي بثمر. وكذلك بعض أصدقائنا.

لم يحتملوا المسافة.. فأصبحوا لا يرونا في ومن قلوبهم، لكن من خلال الأميال التي تفصلنا. لن أتحدث عن الأمر لكنه يتلخص تمامًا في ذلك المقال القديم. في الدب والمزهرية ومكانها الفارغ وكل شيء.. نحن لا نرى سوى ما نريد أن نراه، سواء في أنفسنا أو في الآخرين. هوشع الصغير كان يدفعني دائمًا لأرى ما لا أريد رؤيته. كان يدفعني لأنظر للأسفل فأرى عمق قاع جبل الجليد. سواء فيَّ أو في علاقاتي. عندما ندرك مدى عمق قبل الجليد كل شيء تختلف رؤيته! ندرك الدوافع والأسباب التي دفعت الأشخاص لتركنا في وحدة مروعة مثلًا. ونعرف أن هذه الأسباب لا تتعلق بنا بل تتعلق بهم في الأغلب[1] لا تتعلق بكوننا أصدقاء بشعين لا يحتملوا! إنما تتعلق بكونهم أشخاص لا يستطيعوا أن يتعاملوا معنا.. أو بطريقة أخرى، مع فرديتنا. أغفر لكل الدببة في حياتي، وأيضًا أغفر لنفسي إن كنت دُبًا يومًا ما؛ ولا أندم على أي مزهرية انكسرت ووخزتني. وأعرف إني لا أريد أن أقتل لا دبًا ولا حلزونًا.( باستثناء تلك البعوضة العاهرة في غرفتي)

نحن مخلوقات مُحبّة، محدودة. أو مخلوقات محدودة، مُحبّة. ولأن الحدود تحاصرنا، نميل أحيانًا لإخفاء الحب. لا نريد أن نتعرض للألم. ومع مرور الوقت، يصبح الأمر أكثر خداعًا: كلما تعرضنا للألم والخيبة أكثر، كلما كان احتمال وقوعنا في أمان ذواتنا المحدودة أكثر. سوف يجرح قلبك أحدهم، ثم بشكل منطقي، ستحاول أن تحمي قلبك. المخاطرة تصبح أكثر صعوبة. الندوب التي تعرضت لها من آلامك السابقة ستخلق جدرانًا عالية حولك من السهل جدًا أن تختبئ وراءها. وعندما يأتي من يحبك حقًا، قد تكون أصبحت دب شرس طويل المخالب وحاد الأنياب. وأنا حقًا أتفهم ذلك. أصبحت أتفهم كون أصدقائنا خائفين منَّا. من وضوحنا وحقيقتنا ومن محبتنا لهم. خائفين من محبتنا لهم. خائفين من ذلك الاقتحام المرعب للمحبة. ويخشوا أن نحبهم أكثر.

وأنا أرى أن هذه هي الخفة التي لا تُحتمل.

(٣)

الخِفّة أم الثِقْل؟ [٢]

إن أكثر الأحمال ثقلًا يسحقنا، يلوينا تحت وطأته ويشدنا نحو الأرض. ولكن لو ألقينا مثلًا نظرة على شِعر الحب خلال العصور كلّها لرأينا أن المرأة ترغب في أن تتلقى حِمْل جسد الرجل. إذًا فالحمل الأكثر ثقلًا هو ذاته صورة للاكتمال الحيوي في ذروته. فكلما كان الحمل ثقيلًا، كانت حياتنا أقرب إلى الأرض، وكانت واقعية أكثر وحقيقية أكثر.

وبالمقابل، فإن الكائن الإنساني عند الغياب التام للحمل يصير أكثر خفة من الهواء، محلقًا بعيدًا عن الأرض وعن الكائن الأرضي. يصير شبه واقعي وتصبح حركاته حرة بقدر ما هي تافهة.

إذًا فماذا تُرانا نختار، الخفة أم الثقل؟

قرأت هذا النص في كتاب فرنسي لميلان كونديرا. قرأت النص عدة مرات دونما أن أكمل قراءة الكتاب. أترك الكتاب وأعاود فتحه بعد مدة فأقرأ نفس النص وأغلقه مرة أخرى وأنا أتسائل: هل الثقل فظيع حقًا والخفة جميلة؟

كنت أحاول أن أعرف ماذا علىَّ أن أختار الخفة أم الثقل.

وكنت أفكر أن في العالم الكثير من الأضداد: الخير والشر؛ النور والظلمة؛ الدافئ والبارد..إلخ. وأرى أن جميعنا نظن أن أحد قطبي التناقض إيجابي (الخير، النور، الدافئ) والقطب الآخر سلبي. وقد يبدو لنا هذا الانقسام إلى إيجابي وسلبي في نطاق سهولة شديدة. جميعنا يستطيع أن يميز ما هو الإيجابي وما هو السلبي بين جميع المتناقضات. باستثناء حالة واحدة: أيهما الإيجابي الثقل أم الخفة؟

للوهلة الأولى أظن أن البعض سيجاوب أن الخفيف هو الإيجابي والثقيل هو السلبي.

لكن النقيضان الخفيف والثقيل هما الأكثر غموضًا والتباسًا بين كل المتناقضات.

أخترت الثقل في النهاية. رغم أن قسوة ثقل حياتي كانت مروعة! إلا إني سأختار الثقيل دائمًا.

86e1b1e98e541043ce29f0f7fb226f5b.jpg

كان الثقل يعني لي الثبات، الشيء الوحيد الثابت هو الأكثر ثقلًا من غيره. الثقل يعني لي القوة أيضًا. أبي مثلًا كانت يديه كبيرتان جدًا وقويتان، في طفولتي وهو يلاعبني بيده يدغدغني، أمسك بها بيداي الصغيرتان في محاولة مني لمنعه، كنت أجد صعوبة في ذلك. كانت يداه ثقيلتان جدًا وقويتان جدًا. أنا لم أستطع أن أرفعهما، لكن أبي كان يرفع يديه بكل سهولة بل يحمل بهم أي شيء أيضًا ثقيل. الثقل يعني لي الحقيقة، والتأثير. الشيء الثقيل يمكنه التأثير في الأشياء الأخرى حتى وإن كانت ثقيلة مثله!

وكذلك الثقل يعني لي المحبة.. المحبة ثقيلة جدًا في قلوبنا. لكنها أيضًا أكثر الأشياء قوة وجمالًا على الإطلاق!

قد لا أستطيع الطيران بسبب ثقلي.. يدي ثقيلتان كأبي، قلبي ثقيل.. وحتى عاتقي ثقيل. لكنني لا أريد أن أكون بتلك الخفة التي لا تُحتمل!

تساعدني الأفكار على مواجهة الخفة. أن نفكر أكثر هذا يعني أن نفهم ذواتنا أكثر وأن نشتد نحوها، نحبها ونفهمها. أن نتعرف إلى هوشع الصغير بداخلنا.

ليس كل ما نراه جيد. وقد نجد متناقضات فينا وهذا ليس دائمًا أمر سيء، بل على العكس. أنا مثلًا من يراني ويتعامل معي قد يراني في أشد الهدوء والعقلانية. ولكن متى قررنا أن نمارس الجنس قد يفاجئ بسلوكي العنيف أثناء المضاجعة. وحتى أثناء ممارسة الحب قد يمتزج العنف بالحنو الشديد. صدقوني، وبعضكم يعرف كم هذا ممتع.

ليس كل ما نراه جيد، وهذا ليس معناه أن نرى أنفسنا أشرارًا وشياطين.

بل أن نكون ضعفاء أو ضحايا أو غير حقيقيين، أو أن أكون خفيف جدًا فيستطيع أي أحد أن يؤثر فيا. يؤثر على إيماني ومشاعري وأفكاري. أن أكون خالي تمامًا فيستطيع أي أحد أن يزرع بي ما لا أريد أن أحتفظ به.

التفكير في كل هذه المدة وخصوصًا وقت الحظر كان يساعدني أن أفهم أمور أنا حقًا ممتن لفهمها في هذا الوقت المبكر في حياتي.

لم أقرأ الكثير من الكتب، لم أتعلم دروسًا للغات أو لأي شيء آخر على الإنترنت، لم أتواصل مع الكثير من البشر أو أتعرف على أصدقاء جدد. فقط كان لدي الوقت الكافي لأفكر في كل الأمور المتعلقة بكل شيء عميق وثقيل داخلي. أردت أن أشارك ذلك، ولدي الكثير لأشاركه.

أنا أرى إن مشاركة أمور كتلك هي فرصة عظيمة أن تظهر نفسك، أن تخرج روحك للسطح. وأن يرى هوشع الصغير النور ويعرف إنه محبوب ومقبول. وإنك لا تخشى أن يراه الناس.

المحب بعمق،
مايكل هوشع

[1]  تعد هذه من أهم الحقائق التي أدركتها مؤخرًا.

[2] هذا الجزء يحتوي على أفكار مُلهمة من كتاب "كائن لا تُحتمل خفته" - ميلان كونديرا – 1984. وقد تحتوي على نصوص صغيرة منه.

Mesahat Foundation