نادي يكتب: العائلات البديلة فى زمن الكورونا
بدأت الأسر البديلة في الظهور في أبهى صورٍ لها في مطلع الثمانيات في المجتمع الأميريكي عندما بدأ المجتمع الكويرى الحراك في خطواتٍ واضحةٍ تجاه حقوقه وحرياته الجندرية والجنسية معاً، وحينها بدأ الكثيرون/ات من المجتمع الكويري الأميريكي بالخروج من الخزانة ومواجهة أسرهم/ن والمجتمع لعدم رغبتهم/ن في العيش داخل الخزانة ولا قدرتهم/ن على تحمُّل الكذب والعيش في خوفٍ دائم، فظهرت منازل لأفرادٍ من هذا المجتمع لأي شخصٍ تم نبذه وطردُه من بيته بسبب اختلافه.
الأسرُ البديلة هي ثقافةٌ تمّ تناقلها من مكانٍ لآخرَ حتى وصل مفهومها الواضح الآن إلى مصر، لكن من الأكيد أنها كانت موجودةً بصورةٍ أو بأخرى في الماضي وتمّ استخدامُها لاحتواء الأفراد المنبوذين من أُسَرهم.
تتكون الأُسرُ غالباً من أبٍ أو أمٍّ أو أصدقاء، وليس هناك قاعدةٌ ثابتةٌ تبعاً للجندر، حتى تُ/يُصنَّف هذا الشخص في وضع أبٍ أو أم، فهي حبٌّ بدون قواعد أو شروط، شرطُها الوحيد هو احتواء الآخرين ودعمهم الدائم سواءً كان ذلك دعماً نفسياً أو مادياً؛ فأصبحت مع الوقت الأُسَر البديلة دليلاً واضحاً على التضامن والدعم التشاركيّ فيما بيننا كمجتمعٍ كويريّ. نرى العائلات البديلة في دوائرَ تشارُكِنا الحكي والكلام، أو في بيوتٍ تجمع المنبوذات/ين وتحتضنهن/م. ولا يمكن إنكار أنّ هذه العائلات البديلة كانت مُنقذاً للكثيرين من الانتحار أو الفشل.
مررتُ شخصيّاً بوقتٍ عصيبٍ، لا صديقَ ولا رفيق لي، هائماً في الدنيا لا أبحث سِوى عن نفسي، مارَّاً بالكثير والكثيرِ من الصعاب، باحثاً عمَّن يتقبّلني دون أن يسأل من أو ما أنا؛ لم تكُن أسرتي البديلة في يومٍ هدفاً من أهدافي، لأني كنتُ مؤمناً أن لا أحد سيتقبَّلني كما أنا. حتى حينما صارحتُ أصدقائي المغايرين وطلبتُ مساعدَتهم لأتقبَّلَ ذاتي، كانت ردَّة فعلهم الضرب والإهانة، وانقطعوا عن التّواصل معي بعد ذلك اليوم. لم يكتفوا بذلك، بل وهدّدوني بتهديداتٍ عديدة، وتوعّدُوا بالكثيرِ إن رأوني في المقهى الذي يلتقُون فيه، أو المنطقة التي أسكن بها بأكملها. وبالفعل انقطعتُ تماماً عن الحي والمنطقة التي عشتُ فيها من طفولتي إلى عاميَ الثاني بالجامعة... ولم تطأ أرجُلي هذا الشارع أو المقهى ثانيةً، وعشتُ وحيداً.
لا أذكرُ قبل تلك الحادثة أنَّ هاتفي كان يكفُّ عن الرنين، لكن بعدها انتظرتُ وانتظرتُ أن يأتي أو يتّصلَ أحدٌ منهم بي، ولكن مرّت الشهور ولم أسمع هاتفي يرنّ إلا عندما تتصلُ والدتي لتطلبَ مني أن أبتاعَ لها شيئاً ما. لعامٍ كاملٍ، جلستُ على مقهىً أسفلَ بيتي ولم يرَ أحدٌ من العاملين هناك أيَّ شخصٍ معي، حتى بدؤوا بالتساؤلِ وبدؤوا بمحادثتي، ولم يجدوا مني سِوى ابتسامةً وشكراً بسيطاً على لطفِهم. إلى أن تعرَّفتُ يوماً على شخصٍ طلب أن نكون مرتبطَين، ولكن بسبب خوفي من الضياع ثانيةً رفضتُ مفضِّلاً أن نظلَّ أصدقاء. لم أكن أعرفُ أنّ هذا اليوم كان اليومَ الذي قابلتُ فيهِ أوّلَ فردٍ من أفرادِ أسرتي البديلة؛ نعم بقيَ صديقي الصدوق على مر سبعة أعوامٍ، لم يتخلَّ عني قط، كان سنداً لي وكنتُ سنداً له.
جاءني يوماً وقال "أنا هاتبناك"، سألتُه "يعني إيه؟!"، أجاب "هاعتبرك ابني"، فرددّتُ عليه بـ"لا"، فتعجّب "ليه؟" .. قلتُ له "مش محتاج حد يقعد يتحكّم فيَّ"، فكان ردُّه "أنا عمري ما هاتحكم فيك، وقت ما ألاقيك بتغرق بس هاشدَّك بحبل مش أكتر". رفضتُ يومها قطعاً أن أصير ابناُ لأحدهم، خصوصاً أن تجربة الأبوة في عائلتي البيولوجية لم تكن الأفضل؛ كأنّ خوفاً من تكرار الماضي كان يطاردني... ومازال.
عرفتُ شخصاً آخرَ، وأحببتُه، وبعد فترةٍ خدعني وسبَّب لي جرحاً أصعب وأكبر مما ابتليتُ به من جروح. كان صديقي الذي عرض عليّ التبني هو من ساعدني وأنقذني من اكتئابي الشديد وظلّ بجانبي بالشهور، وتحمّل مشاكلي حتى عدّتُ شخصاً طبيعياً مرةً أخرى خالياً من تلك الآلام. يومها اكتشفت أنّ هذا الشخص يستحقُّ أن يكون فرداً من عائلتي.. عائلتي البديلة.
عرفتُ فائدة وأهمية وجود عائلةٍ بديلة، وكيف ساعدتني هذه الأسرة الجديدة أن أتخطَّى أقصى وأصعبَ ظروفي وحالاتي النفسية. أردّتُ أن أفعل ما فعَلَهُ هذا الصديق لي، وأن أكون عوناً لشخصٍ آخرَ يعاني من وحدتِه القاسية... كان هذا الشخصُ دائماً ما يتّخذُ الحذر في اعترافِه للآخرين بهويَّته، لكونِه شخصاً ناجحاً ومعروفاً في أوساطٍ كثيرةٍ خارج دوائر المجتمع الكويري. عندما علم بهويَّتي صارحني، وبعد مدةٍ أصبح ابناً لي، أتأثّرُ لتأثُّره، أشعر به حين يتألّم أو يبكي، كأنه بالفعل ابني؛ صلةُ الدم قد تكون قويّة، لكنّها غالباً ما تكون مربوطةً بشروطٍ... أما صلتُنا نحن، كصلتي بأبي الذي دعمني، وصلتي بابني الذي أدعمُه وأدعمُ أصدقاءهُ، ليس لها قاعدةٌ سِوى الحب.
أصبحتُ كما أريد أن أكون، دون تصنُّعٍ، دون خوفٍ، دون حتى الحاجة لطلب المساعدة، لأني أنالها دائماً من عائلتي البديلة بمجرد شعورهن/م بي، أو ينالوها مني بمجرد شعوري بهن/م.
هذا الحب المشروط لا نريده...
حتى وأنا قابعٌ وسط أعمقِ مخاوفي، منتظراً المجتمع الأكبر لينقضَّ عليَّ لمجرد اختلافي، ما زال وجودهن/م يجعلُني أشعر بالأمان. قد أعيش في عالمٍ من الأشخاص الكارهات/ين لاختلافي، ولكن سيظلُّ لي عالمي في وسطِ عائلتي البديلة. رغم أنّ التباعُد والمشاغل في ظروف العمل قد أثّرت على التواصل، لكن ستظلُّ أسرتي البديلة ملجئي الأوَّل حين أقع أو أضعُف، وسأظلُّ أذكرُ هذه الحقيقةَ لهم/ن، وحين يقع أحدهم/ن في مشكلةٍ ما سأكون معه دون حتى أن يطلب.
واليوم، وسطَ الأزمة التي يمرُّ بها العالم، هم يمرُّون بأزمةِ خوفٍ من الكورونا، وأنا أمرُّ بأزمة افتقادي للتّواجد وسط أسرتي البديلة.